مركز الثقافة والمعارف القرآنية

545

علوم القرآن عند المفسرين

الجواب : إن كل انسان يدرك بفطرته أنه قادر على جملة من الأفعال ، فيمكنه أن يفعلها وأن يتركها ، وهذا الحكم فطري لا يشك فيه أحد إلا أن تعتريه شبهة من خارج . وقد أطبق العقلاء كافة على ذم فاعل القبيح ، ومدح فاعل الحسن ، وهذا برهان على أن الإنسان مختار في فعله ، غير مجبور عليه عند اصداره . وكل عاقل يرى أن حركته على الأرض عند مشيه عليها تغاير حركته عند سقوطه من شاهق إلى الأرض ، فيرى أنه مختار في الحركة الأولى ، وأنه مجبور على الحركة الثانية . وكل انسان عاقل يدرك بفطرته أنه وإن كان مختارا في بعض الأفعال حين يصدرها وحين يتركها إلا أن أكثر مبادئ ذلك الفعل خارجة عن دائرة اختياره ، فان من جملة مبادئ صدور الفعل نفس وجود الانسان وحياته ، وادراكه للفعل ، وشوقه اليه ، وملاءمة ذلك الفعل لقوة من قواه ، وقدرته على ايجاده . ومن البين أن هذا النوع من المبادئ خارج عن دائرة اختيار الانسان ، وأن موجد هذه الأشياء في الانسان هو موجد الانسان نفسه . وقد ثبت في محله أن خالق هذه الأشياء في الانسان لم ينعزل عن خلقه بعد الإيجاد ، وأن بقاء الأشياء واستمرارها في الوجود محتاج إلى المؤثر في كل آن ، وليس مثل خالق الأشياء معها كالبناء يقيم الجدار بصنعه ، ثم يستغني الجدار عن بانيه ، ويستمر وجوده وإن فنى صانعه ، أو كمثل الكتاب يحتاج اليه الكتاب في حدوثه ، ثم يستغني عنه في مرحلة بقائه واستمراره . بل مثل خالق الأشياء معها « وللّه المثل الأعلى » كتأثير القوة الكهربائية في الضوء . فان الضوء لا يوجد إلا حين تمده القوة بتيارها ، ولا يزال يفتقر في بقاء وجوده إلى مدد هذه القوة في كل حين ، فإذا انفصل سلكه عن مصدر القوة في حين ، انعدم الضوء في ذلك الحين كأن لم يكن . وهكذا تستمد الأشياء وجميع الكائنات وجودها من مبدعها الأول في كل وقت من أوقات حدوثها وبقائها ، وهي مفتقرة إلى مدده في كل حين ، ومتصلة برحمته الواسعة التي وسعت كل شيء . وعلى ذلك ففعل العبد وسط بين الجبر والتفويض ، وله حظ من كل منهما . فان إعمال قدرته في الفعل أو الترك وإن كان باختياره . إلا أن هذه القدرة وسائر المبادئ حين الفعل تقاض من اللّه ، فالفعل مستند إلى العبد من جهة وإلى اللّه من جهة أخرى والآيات القرآنية المباركة ناظرة إلى هذا المعنى ، وأن اختيار